|
حينما يُحمد السُّرى
السبت 12 سبتمبر 2009 |
|
من لم تكن له بداية محرقة , لم تكن له نهايةٌ مشرقة , هكذا قالوا في الحكمة . سأحدثكم في هذا المقال عن الكفاح حينما يتمثّل رجالاً : نفس توّاقة , رفضت أن تعيش على هامش الحياة , و اختارت أن تكون أسطرًا مضيئةً , مدادها : الطموح , و الصبر , و التفاؤل , و الإنجاز ... لن أستعير حديثي من عصورٍ سابقةٍ حتى لا يقال : رحمك الله , و أين نحن من أولئك ؟! , و إنما من هذا العصر الذي نعيبه و العيب فينا , مضيّقًا الدائرة أكثر لأحدثكم عن أحد من درسوا في هذه الجامعة , و قد رأيتُ أن أبدأ القصة من منتصفها , مرورًا بالبداية الحالمة , و مختتمًا بعد ذلك بالنهاية الباسمة . بطلها أحد زملاء المرحلة الجامعية , عرفناه بشغفه بالتحصيل العلمي , و عشقه للحفظ لكل ما يُطلب منا ( و ما لا يُطلب منا أحيانًا كثيرة ! ) , كان مقدّمًا للمعلومة حتى و إن قصّرت به الدرجة ( خلافًا للقاعدة الطلابية ! ) , ذا مناقشةٍ فصيحةٍ للأساتذة في أدبٍ جم , كان الزملاء يعاتبونه أحيانًا على توسيع آفاق المحاضرات بأسئلته ( خشية أن تقوم علينا الحجة أمام الأساتذة , أو تُفرض الإجابات علينا ! ) . ليس عجبًا أن تضم جامعتي مثل هذا الرجل , لكن العجب حينما نعلم أنه كان في تلك الأيام رب أسرة , مسؤولاً عن عددٍ من الأبناء , و أنه يأتي يوميًّا إلى الكلية من منطقةٍ تبعد قرابة مئة كيلٍ من الرياض , و أنه موظفٌ , جعل نوبته بالليل من أجل الدراسة , على مدى سنوات دراسته , و قد كانت وظيفته تلك بشهادة المرحلة الابتدائية ( أو بشهادةٍ أدنى , لا أذكر الآن ) , ثم بدأ رحلة الطموح بأن درس المرحلتين المتوسطة و الثانوية دراسةً ليلية , مما أهّله لأن يلتحق بالجامعة , التحق منتظمًا منذ البداية – رغم المشقة - ليستفيد , و كثيرًا ما كان يذاكر أثناء نوبات عمله . و مع كل هذا , فلا أذكر أنني سمعته يشكو من شيء , بل على العكس ,كان حاضر الطرفة , كأنما سُكِب المرح في روحه , لا تفارقه ابتسامة الطموح و التفاؤل ( و السخرية أحيانًا ) , أخبرني ذات مرة كيف أن سيارته ( المتواضعة جدًّا ) قد أبت إلا أن تقف به و هو في طريقه إلى الكلية ( و هو ممن وُلد و في فمه ملعقةٌ من نَصَب ! ) , ولم يجْدِ معها إلا أن تحملها تلك السيارة المخصصة لهذا الأمر , و أخبرني أنه هو و صديقه الذي يأتي معه من بلدته قد بقيا في سيارتهما و هي محمولة فوق الأخرى ! , و هذا غيضٌ من فيض طرائفه التي طالما رواها للزملاء . لم نصل لخاتمة القصة بتخرجه في الكلية , فللكفاح حديثٌ لم ينته بعد ... لم يرضَ هذا الزميل بأن يقف طموحه عند شهادته الجامعية , إنه الآن محاضرٌ بجامعةٍ أخرى ! , أما تفصيل ذلك : فإنه بعد تخرجه ظل في عمله , و قرر أن يواصل دراساته العليا بتلك الجامعة , فدرس عامًا و نصف العام قبل أن يبدأ بحثه , و قد اضطر خلال دراسته لأن يسكن أقرب أحياء الرياض إلى منطقته , فكان في الصباح في عمله خارج الرياض إلى ما بعد الظهر , و في دراسته بالرياض من بعد الظهر إلى المساء ! , استمر هذا الحال لمدة عامٍ دراسي , و كان قد تقدم في أول ذلك العام بطلبٍ للإعادة , فقُبل طلبه بآخر العام , و من ثم ترك عمله الأول . لقد قصرت حديثي السابق على الجانب العلمي لدى صاحبي , ولم أحدثكم عن تكامل جوانب حياته و وفائه بحق كل ذي حق : والديه , أسرته , أصحابه , عمله , تخصصه… تحية إكبار لذلك الرجل , الذي ما زال طموحه مشعلاً في يده حتى اليوم : و إذا كانت النـفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسـامُ
|
|
|