كنت أظن أن كل الناس يبحثون عن التميز و يتمنونه , بالتأكيد بعضهم يخطئ الطريق إليه و يخطئ الوصول إليه تطبيقًا , تسأل أحدهم عن أمنيته فيخبرك بأنه يريد التميز ( في شيءٍ يرى أنه يحسنه ) , بينما طريقه نحو أمنيته لا يخلو من أخطاء في التطبيق . راجعتُ فكرتي ( حول أن التميز مطلب للجميع ) , و تراجعت باتجاه الوراء قليلاً , و دخلتُ في عمق الواقعية ؛ حينما شاكسني أحدهم بالرسالة التالية و قد علم بعنوان الزاوية , قال : " التميز : هو ما نفتش عنه في كل ما يحيطنا ... و بمجرد امتلاكنا إياه نظل محبوسين في بوتقته , ليصل بنا الأمر إلى أمنيةٍ ساذجةٍ تقول : ليتني لم أكنه !!.. " انتهت الرسالة , القصيرة الطويلة ... عبثت بفكري هذه الكلمات , و " رجعتُ لنفسي فاتهمت " حماسي لهذه المساحة , و رحت في تساؤلاتٍ عميقة : هل يمكن أن يصل الأمر بالإنسان إلى درجة أن يتمنى لو لم يك متميزًا ؟! , و هل يمكن أن يوجد من بيننا من لا يريد التميز ( لسببٍ أو لآخر ) ؟!. أكثرنا ( بتفاؤل ) سيظل يبحث عن التميز : في نفسه , فيما حوله من أناسٍ و أشياء , بعضهم يبحث و هو يبحر في مركب الأمنيات , و بعضهم يبحث في عالم الأفعال , و شتان ما بين اليزيدين ! حتى لو كان التميز عامل شقاءٍ في حياة الإنسان ( مع التحفظ على التعبير بالشقاء ) , أو " يحبسه في بوتقته " ؛ فإن الكثيرين ممن دفعوا ضريبةً للتميز رغبةً فيه دون ما سواه , قد نصبوا أيما نصبٍ في سبيل بغيتهم المنشودة , و هم - على ذلك - يستعذبون الألم في سبيل ألا يكونوا أناسًا عاديين لا يؤبه لهم , هكذا هي سيرة المتميزين عبر العصور , تتلازم لديهم المشقة و السيادة ( التميز و ضريبته ): لولا المشقة ساد الناس كلهمُ الجود يفقر و الإقدام قتّالُ ! المسألة إذن لا تخلو من تمحيصٍ , ليصل المتميزون في النهاية إلى أهدافهم , التي يجازفون أحيانًا من أجلها , بالافتقار أو التعرض للموت - مثلاً مستقىً من بيتنا السابق - . احتشدت لدى قراءتي لتلك الرسالة مجموعة من الأبيات , منها البيت المشهور : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله و أخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ . و بيت الآخر : أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمنِ يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطنِ و قول عبد القاهر : كبّر على العلم يا صــديقي واقصد إلى الجهل قصد هائمْ و عش حمارًا تعـش سـعيدًا فالسـعد في طالع البهـــائمْ ! و قول العالم الآخر : جلوسي في سوقي أبيع و أشتري دليلٌ على أن الأنام قرودُ ! . هذه الأبيات موجودةٌ بسيرهم , شواهد غير هازلة ! حينما تُساق لترصد بعضًا من معاناة المتميزين عبر العصور . كان التميز و سيظل أمنية الكثيرين , و ربما كان موردًا للشقاء - الذي هو ضريبته - , فالسماء لا تمطر تميزًا ! , إنما هو موهبةٌ ولدت مع الإنسان ( استعدادٌ وهبه الله له ) , ثم تأتي تنمية هذا الاستعداد ليكون سمةً ( إيجابيةً ) يتميز بها الشخص من بين الكثيرين ، و من ثم سمي " متميزًا " . ختامًا : هل ستسعى نحو التميز فعلاً بخطواتٍ واثقة , أو أن بعض التفكير المتردد قد اقتحمك بعد قراءتك للسطور السابقة ؟!..